فخر الدين الرازي

45

تفسير الرازي

تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصاناً في الصورة ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار ، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلاً فوق الرأس وتكون ستراً في النار " . ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب ، ولهذا قال تعالى لنبيه : * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ( المسألة الثالثة ) قوله تعالى ( ( أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . أما قوله تعالى ( واركعوا مع الراكعين ) ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضا لهم على الاتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر الامر بالخضوع لان الركوع والخضوع في اللغة سواء . فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل كما قال للمؤمنين ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزه على الكافرين ) وكقوله تأديبا لرسوله عليه السلام ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) وكمدحه له بقوله ( فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) وهكذا في قوله تعالى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد . وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى ( وأكلهم السحت ) وبقوله ( وأكلهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل ) فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوما ليحذروا أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم ، وأما البر فهو اسم جامع الأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ، ومنه عمل مبرور ، أي قد رضيه الله تعالى وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال صدقت وبررت ، وقال تعالى ( ولكن البر من اتقى ) فأخبر أن البر جامع للتقوى ، واعلم أنه سبحانه مآخذ آخر ، وهو أن التغافل عن اعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ